يحيى بن معاذ الرازي

93

جواهر التصوف

133 « انكسار العاصين أحبّ إلىّ من صولة المطيعين » * هذه العبارة في معنى التي قبلها . . ذلك أن عبودية التوبة فيها من الذّلّ والانكسار ما هو أحب إلى الله من بعض العبادات ؛ فالذل والانكسار واللجأ إلى الله هو مخ العبادة . * * * 134 - « إن تلقّانى بمكر منه اقتدارا : تلقيته بذلّ منّى افتقارا . » [ الحلية : 10 / 54 ] . * المكر بالنسبة للخلق : تدبير الشّرّ للغير في خفية واحتيال ، وعلى ذلك فالمكر حيلة الضعفاء تجاه الأقوياء . . أما إذا نسب المكر إلى الذات العليّة ؛ فمعناه التدبير المحكم لإبطال مكر الماكرين ، وإيقاع العقوبة بهم من حيث لا يشعرون ، قال تعالى : وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [ النمل : 50 ] وكلمة الشيخ يحيى تعنى أنه صابر في مجرى الأقدار لما دبره القادر القهّار ، يتلقى أمر الله راضيا محتسبا في افتقار ، فإن كان نعمة تلقّاها بالشكر ، وجزاؤها من الله زيادة في النعمة : لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [ إبراهيم : 7 ] وإن كانت نقمة تلقاها بالصبر وجزاؤها زيادة في القربة : إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [ البقرة : 153 ] وفي الحالين خير . * * * 135 - نظر يحيى بن معاذ إلى طاقات ريحان وضعها بعض الصبيان في حجرته ، وقد ذبلت وأتى بالماء يسقيها ، فسأله رجل : ما تصنع ؟ قال : رأيت هذا الرّيحان ذابلا ، قد جففوه بترك سقيه فاعتصر به قلبي فسقيته ؛ لأنه هاجت لي فيه عبرة ، وكأنّى رأيته يستسقينى بذبوله خاضعا . » وكان أبوه وأخوه يدعوانه إلى طلب الدنيا ، فأنشأ أخوه يقول : أترحم أغصانا ذبلت ولانت * ولا ترحم أخاك إذا دعاكا فقال يحيى مجيبا له : رأيت أخي يريد هلاك نفسي * ونفسي لا تريد له هلاكا [ الحلية 10 / 62 ] *